تبرع
حب الأم له طابع مألوف وعميق. يتجلى في الدعوات الخافتة التي تهمس بها لك في غيابك. في الوجبات التي تعدها، حتى وهي متعبة. في قلقها، ومسامحتها، وعطائها المتواصل، مرارًا وتكرارًا، دون أن تطلب شيئًا في المقابل.
في ديننا، هذا النوع من الحب لا يُغفل عنه. بل هو مكرّم، ومُعظّم، ومنسوج في صميم عقيدتنا.
سأل رجلٌ ذات مرة النبي محمد ﷺ، "من أحق الناس بحسن صحابتي؟"
فجاء الجواب:
"أمك."
"ثم من؟"
"أمك."
"ثم من؟"
"أمك."
"ثم أبوك."
هناك قوة كامنة في هذا التكرار. إنه يعكس ما يشعر به الكثير منا بالفعل ولكن قد لا نعبر عنه دائمًا، وهو أن مكانة الأم في حياتنا لا تُضاهى.
وهناك أيضًا القول المأثور المعروف:
"الجنة تحت أقدام الأمهات."
ليس في الإيماءات الكبيرة. ولا في الأفعال البعيدة. بل في كيفية معاملتنا لها كل يوم، عندما نصغي بلطف أكبر، ونتحدث بنعومة أكثر، ونختار الصبر عندما يكون عدم الصبر أسهل.
الإسلام لا يأمرنا فقط بحب أمهاتنا، بل يذكرنا بالسبب.
يرسم القرآن صورة يمكن للكثير منا أن يربطها بواقعه، حتى لو لم نعبر عنها بالكلمات بشكل كامل:
"حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا..." (الأحقاف: 15)
قبل أن نلتقط أنفاسنا الأولى، كانت هي تضحي بالفعل. قبل أن ننطق بكلمتنا الأولى، كانت تدعو لنا بالفعل.
لا توصف الأمومة في الإسلام بأنها سهلة. بل توصف بأنها ذات ثقل، وعاطفية، وذات أهمية عميقة. وهذه الصراحة تجعل التقدير أكثر معنى.
غالبًا ما تكون الأم هي أول مكان نشعر فيه بالأمان. أول صوت يعلمنا الصواب من الخطأ. أول قلب يحتضن قلوبنا.
هي:
وأحيانًا، تفعل كل هذا بهدوء، دون تقدير.
في الإسلام، لا يخفى شيء من هذا على الله. كل ليلة بلا نوم، كل لحظة صبر، كل دمعة محبوسة، هي أعمال مليئة بالأجر.
عندما ننظر إلى التاريخ الإسلامي، نجد نساءً قصصهن تبدو استثنائية وإنسانية بعمق في آن واحد.
مريم (عليها السلام)، أم النبي عيسى (عليه السلام)، وقفت وحدها في لحظات الخوف والشك، ومع ذلك لم يتزعزع إيمانها أبدًا.
هاجر (عليها السلام)، وهي تسعى بين الصفا والمروة بحثًا عن الماء لابنها، تذكرنا بغريزة الأم، ألا تستسلم أبدًا، حتى عندما يبدو الطريق مستحيلاً. اليوم، يعيد الملايين تتبع خطواتها خلال الحج، تكريمًا لذلك الكفاح.
هذه ليست مجرد قصص. إنها انعكاسات لما تعيشه الكثير من الأمهات كل يوم: القوة، والثقة، والحب الذي لا يتزعزع.
من السهل أن نفترض أن أمهاتنا يعرفن مدى حبنا لهن. أحيانًا ننشغل. أحيانًا ننسى أن نقول الكلمات.
الإسلام يدعونا بلطف للعودة.
تحدث إليها بلطف. كن صبورًا، خاصة عندما تكرر كلامها. خصص وقتًا لها. ادعُ لها.
لأنه في يوم من الأيام، قد نتمنى محادثة واحدة أخرى، عناقًا واحدًا آخر، فرصة واحدة أخرى لقول "شكرًا".
ليس كل من يقرأ هذا لا تزال أمه معه. وهذا الغياب يمكن أن يكون ثقيلاً.
في الإسلام، لا تنتهي الصلة. لا يزال بإمكانك تكريمها:
حب أمهاتنا لا يختفي، بل يتحول.
بالنسبة لمنظمات مثل مؤسسة نسا، فإن دعم الأمهات يعني أكثر من مجرد تقديم الخدمات، إنه يعني الاعتراف باحتياجاتهن العاطفية والروحية والإنسانية.
خلف كل عائلة غالبًا ما تكون هناك أم تجمع شتات الأمور بطرق لا يراها أحد بالكامل.
عندما نرفع من شأنها، فإننا نرفع من شأن مجتمعات بأكملها.
حب الأم هو أحد أقرب انعكاسات الرحمة التي نختبرها في هذا العالم. وفي الإسلام، هذا الحب ليس مجرد تقدير، بل هو مقدس.
لذا، سواء كانت أمك بجانبك، أو بعيدة عنك، أو تتذكرها في دعواتك، خذ لحظة اليوم.
اتصل بها.
عانقها.
ادعُ لها.
لأنك بتكريمها، تسير في طريق يؤدي إلى شيء أعظم بكثير مما تتخيل.